فصل: تفسير الآية رقم (131):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (130):

{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)}
{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم} إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن ملته وهي الحق الواضح غاية الوضوح، أي لا يرغب عن ذلك أحد {إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} أي جعلها مهانة ذليلة. وأصل السفه الخفة، ومنه زمام سفيه أي خفيف وسفه بالكسر كما قال المبرد وثعلب: متعد بنفسه، و{نَفْسَهُ} مفعول به، وأما {سفه} بالضم فلازم، ويشهد له ما جاء في الحديث: «الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس» وقيل: إنه لازم أيضًا، وتعدى إلى المفعول لتضمنه معنى ما يتعدى إليه، أي جهل نفسه لخفة عقله وعدم تفكره، وهو قول الزجاج، أو أهلكها، وهو قول أبي عبيدة؛ وقيل: إن النصب بنزع الخافض أي في نفسه فلا ينافي اللزوم وهو قول لبعض البصريين وقيل: على التمييز كما في قول نابغة الذبياني:
ونأخذ بعده بذناب عيش ** أجب الظهر ليس له سنام

وقيل: على التشبيه بالمفعول به، واعترض الجميع أبو حيان قائلًا: إن التضمين والنصب بنزع الخافض لا ينقاسان، وإن التشبيه بالمفعول به مخصوص عند الجمهور بالصفة كما قيل به في البيت وأن البصريين منعوا مجيء التمييز معرفة، فالحق الذي لا ينبغي أن يتعدى القول بالتعدي. ومن إما موصولة أو موصوفة في محل الرفع على المختار بدلًا من الضمير في {يَرْغَبُ} لأنه استثناء من غير موجب، وسبب نزول الآية ما روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرًا إلى الإسلام؛ فقال لهما: قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسمعيل نبيًا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبي مهاجر، فنزلت {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} أي اخترناه بالرسالة بتلك الملة، واجتبيناه من بين سائر الخلق، وأصله اتخاذ صفوة الشيء أي خالصه.
{وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين} أي المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح، والجملة معطوفة على ما قبلها، وذلك من حيث المعنى دليل مبين لكون الراغب عن ملة إبراهيم سفيهًا إذ الاصطفاء والعز في الدنيا غاية المطالب الدنيوية والصلاح جامع للكمالات الأخروية ولا مقصد للإنسان الغير السفيه سوى خير الدارين، وأما من حيث اللفظ فيحتمل أن يكون حالًا مقررة لجهة الإنكار واللام لام الابتداء أي أيرغب عن ملته ومعه ما يوجب عكس ذلك، وهو الظاهر لفظًا لعدم الاحتياج إلى تقدير القسم وارتضاه الرضي ويحتمل أن يكون عطفًا على ما قبله، أو اعتراضًا بين المعطوفين واللام جواب القسم المقدر وهو الظاهر معنى لأن الأصل في الجمل الاستقلال ولإفادة زيادة التأكيد المطلوب في المقام والإشعار بأن المدعي لا يحتاج إلى البيان، والمقصود مدحه عليه السلام وإيراد الجملة الأولى: ماضوية لمضيها من وقت الإخبار، والثانية: اسمية لعدم تقييدها بالزمان لأن انتظامه في زمرة صالحي أهل الآخرة أمر مستمر في الدارين لا أنه يحدث في الآخرة، والتأكيد بأن واللام لما أن الأمور الأخروية خفية عند المخاطبين فحاجتها إلى التأكيد أشد من الأمور التي تشاهد آثارها، وكلمة {في} متعلقة بـ {الصالحين} على أن أل فيه للتعريف لا موصولة ليلزم تقديم بعض الصلة عليها على أنه قد يغتفر في الظرف ما لا يغتفر في غيره، أو حذوف أي صالح أو أعني، وجعله متعلقًا بـ {اصطفيناه} وفي الآية تقديم وتأخير، أو حذوف حالًا من المستكن في الوصف بعيد.

.تفسير الآية رقم (131):

{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)}
ظرف لاصطفيناه والمتوسط المعطوف ليس بأجنبي لأنه لتقدير المتعلق المعطوف تأكيده لأن اصطفاءه في الدنيا إنما هو للرسالة وما يتعلق بصلاح الآخرة فلا حاجة إلى أن يجعل اعتراضًا أو حالًا مقدرة كما قيل به، أو تعليل له، أو منصوب بـ {اذكر} كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت لتفق على أنه المصطفى الصالح وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة والانقياد إلى ما أمر به وإخلاص سره حين دعاه ربه، وجوز جعله ظرفًا لـ {قَالَ} وليس الأمر وما في جوابه على حقيقتهما بل هو تمثيل، والمعنى أخطر بباله الدلائل المؤيدة إلى المعرفة، واستدل بها وأذعن دلولاتها إلا أنه سبحانه وتعالى عبر عن ذلك بالقولين تصويرًا لسرعة الانتقال بسرعة الإجابة فهو إشارة إلى استدلاله عليه السلام بالكوكب والشمس والقمر واطلاعه على أمارات الحدوث على ما يشير إليه كلام الحسن وابن عباس من أن ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، ومن ذهب إلى أنه بعد النبوة قال: المراد الأمر بالطاعة والإذعان لجزئيات الأحكام والاستقامة والثبات على التوحيد على حد {فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلائَ الله} [محمد: 91] ولا يمكن الحمل على الحقيقة أعني إحداث الإسلام والإيمان لأن الأنبياء معصومون عن الكفر قبل النبوة وبعدها ولأنه لا يتصور الوحي والاستنباء قبل الإسلام نعم إذا حمل الإسلام على العمل بالجوارح لا على معنى الإيمان أمكن الحمل على الحقيقة كما قيل به وفي الالتفات مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليه عليه السلام إظهار لمزيد اللطف به والاعتناء بتربيته، وإضافة الرب في الجواب إلى {العالمين} للإيذان بكمال قوة إسلامه حيث أتقن حين النظر شمول ربوبيته تعالى للعالمين قاطبة لا لنفسه فقط كما هو المأمور به ظاهرًا.

.تفسير الآية رقم (132):

{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)}
{ووصى إبراهيم بَنِيهِ} مدح له عليه السلام بتكميله غيره إثر مدحه بكماله في نفسه، وفيه توكيد لوجود الرغبة في ملته، والتوصية التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة سواء كان حالة الاحتضار أولًا وسواء كان ذلك التقدم بالقول أو الدلالة وإن كان الشائع في العرف استعمالها في القول المخصوص حالة الاحتضار وأصلها الوصل من قولهم أرض واصية أي متصلة النبات، ويقال: وصاه إذا وصله، وفصاه إذا فصله كأن الموصي يصل فعله بفعل الوصي، والضمير في {بِهَا} إما للملة أو لقوله: {أَسْلَمْتُ} [البقرة: 131] على تأويل الكلمة أو الجملة، ويرجح الأول كون المرجع مذكورًا صريحًا وكذا ترك المضمر إلى المظهر، وعطف {يعقوب} عليه فإن ذلك يدل على أنه شروع في كلام آخر لبيان تواصي الأنبياء باستمساك الدين الحق الجامع لجميع أحكام الأصول والفروع ليتوارثوا الملة القويمة والشرع المستقيم نسلًا بعد نسل، وذكر يعقوبُ الدينَ في توصيته لبنيه وهو والملة أخوان ولو كان الضمير للثاني لكان الإسلام بدله، ويؤيد الثاني كون الموصى به مطابقًا في اللفظ لـ {أَسْلَمْتُ} [البقرة: 131] وقرب المعطوف عليه لأنه حينئذٍ يكون معطوفًا على {قَالَ أَسْلَمْتُ} أي ما اكتفى بالامتثال بل ضم توصية بنيه بالإسلام بخلاف التقدير الأول فإنه معطوف على {مِنْ يَرْغَبُ} [البقرة: 130] لأنه كما أشرنا إليه في معنى النفي، وخص البنين لأنه عليهم أشفق وهم بقبول وصيته أجدر ولأن النفع بهم أكثر، وقرأ نافع وابن عامر {أوصى} ولا دلالة فيها على التكثير كالأولى الدالة عليه لصيغة التفعيل.
{وَيَعْقُوبَ} عطف على {إبراهيم}، ورفعه على الابتداء وحذف الخبر أي يعقوب كذلك، والجملة معطوفة على الجملة الفعلية، وجعله فاعلًا لوصى مضمرًا بعيد، وقرئ بالنصب فيكون عطفًا على {بَنِيهِ} والمراد بهم أبناء الصلب وهو عليه الصلاة والسلام كان نافلة، وإنما سمي يعقوب لأنه وعيصًا كانا توأمين فتقدم عيص، وخرج يعقوب على أثره آخذًا بعقبه كذا روي عن ابن عباس ولا أظن صحته.
{يبَنِى} على إضمار القول عند البصريين، ويقدر بصيغة الإفراد على تقدير نصب يعقوب أي قال، أو قائلًا. وبصيغة التثنية على تقدير الرفع؛ ووقوع الجملة بعد القول مشروط بأن يكون المقصود مجرد الحكاية، والكلام المحكي مشترك بين إبراهيم ويعقوب، وإن كان المخاطبون في الحالين متغايرين، وذهب الكوفيون إلى عدم الإضمار لأن التوصية لاشتمالها على معنى القول بل هي القول المخصوص كان حكمها حكمه. فيجوز وقوع الجملة في حيز مفعولها، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: {أن يا بني} ولا حاجة حينئذٍ إلى تقدير القول عند البصريين بل لا يجوز ذلك عندهم على ما يشير إليه كلام بعض المحققين، وبنو إبراهيم على ما في الإتقان اثنا عشر وهم: إسمعيل وإسحق ومدين وزمزان وسرح ونقش ونقشان وأميم وكيسان وسورج ولوطان ونافس وبنو يعقوب أيضًا كذلك وهم: يوسف وروبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وداني وتفتاني وكاد واسبر وإيساجر ورايكون وبنيامين.
{إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين} أي جعل لكم الدين الذي هو صفوة الأديان بأن شرعه لكم ووفقكم للأخذ به، والمراد به دين الإسلام الذي به الإخلاص لله تعالى والانقياد له، وليس المراد ما يتراءى من أن الله تعالى جعله صفوة الأديان لكم لأن هذا الدين صفوة في نفسه لا اختصاص له بأحد، وليس عند الله تعالى غيره، ومن هنا يعلم أن الإسلام يطلق على غير ديننا لكن العرف خصصه به، وزعم بعضهم عدم الإطلاق وألف في ذلك رسالة تكلف بها غاية التكلف.
{فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} نهي عن الاتصاف بخلاف حال الإسلام وقت الموت، والمفهوم من الآية ظاهرًا النهي عن الموت على خلاف تلك الحال، وليس قصود لأنه غير مقدور وإنما المقدور قيده فيعود النهي إليه كما سمعت لما أن الامتناع عن الاتصاف بتلك الحال يستتبع الامتناع عن الموت في تلك الحال فأما أن يقال استعمل اللفظ الموضوع للأول في الثاني فيكون مجازًا، أو يقال استعمل اللفظ في معناه لينتقل منه إلى ملزومه فيكون كناية، وقال الفاضل اليمني: إن هذا كناية بنفي الذات عن نفي الحال على عكس ما قيل في قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} [البقرة: 28] من أنه كناية بنفي الحال عن نفي الذات، وفيه أن نفي الذات إنما يصير كناية عن نفي جميع الصفات لا عن صفة معينة فافهم، والمراد من الأمر الذي يشير إليه ذلك النهي الثبات على الإسلام لأنه اللازم له، والمقصود من التوصية، ولأن أصل الإسلام كان حاصلًا لهم، وإنما أدخل حرف النفي على الفعل مع أنه ليس منهيًا عنه للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن حقه أن لا يحل بهم وأنه يجب أن يحذروه غاية الحذر، وذكر بعضهم أن الإسلام المأمور به هنا ما يكون بالقلب دون العمل بالجوارح لأن ذلك مما لا يكاد يمكن عند الموت ولهذا ورد في الحديث: «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتفوه على الإيمان» ولا يخفى ما فيه.

.تفسير الآية رقم (133):

{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)}
{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت} الخطاب لجنس اليهود أو الموجودين في زمانه صلى الله عليه وسلم على ما يشير إليه سبب النزول فقد ذكر الواحدي أن الآية نزلت في اليهودي حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب لما مات أوصى بنيه باليهودية؟ و{أَمْ} إما منقطعة عنى بل، وهمزة الإنكار، ومعنى بل الإضراب عن الكلام الأول وهو بيان التوصية إلى توبيخ اليهود على ادعائهم اليهودية على يعقوب وأبنائه، وفائدته الانتقال من جملة إلى أخرى أهمّ منها أي ما كنتم حاضرين حين احتضاره عليه الصلاة والسلام وسؤاله بنيه عن الدين فلم تدعون ما تدعون؟ا ولك أن تجعل الاستفهام للتقرير أي كانت أوائلكم حاضرين حين وصى بنيه عليه الصلاة والسلام بالإسلام والتوحيد وأنتم عالمون بذلك فما لكم تدعون عليه خلاف ما تعلمون؟ا فيكون قد نزل علمهم بشهادة أوائلهم منزلة الشهادة فخوطبوا بما خوطبوا، وإما متصلة وفي الكلام حذف والتقدير أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين وليس الاستفهام على هذا على حقيقته للعلم بتحقق الأول وانتفاء الثاني بل هو للإلزام والتبكيت أيْ أيّ الأمرين كان فمدعاكم؟ باطل، أما على الأول: فلأنه رجم بالغيب، وأما على الثاني: فلأنه خلاف المشهور، واعترض أبو حيان على هذا الوجه بأنا لا نعلم أحدًا أجاز حذف الجملة المعطوف عليها في أم المتصلة وإنما سمع حذف أم مع المعطوف لأن الثواني تحتمل ما لا تحتمل الأوائل، وقيل: الخطاب للمؤمنين ومعنى بل الإضراب عن الكلام الأول والأخذ فيما هو الأهم وهو التحريض على اتباعه صلى الله عليه وسلم بإثبات بعض معجزاته وهو الإخبار عن أحوال الأنبياء السابقين من غير سماع من أحد ولا قراءة من كتاب كأنه تعالى بعد ذكر ما تقدم التفت إلى مؤمني الأمة أما شهدتم ما جرى وأما علمتم ذلك بالوحي وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم فعليكم باتباعه إلا أنه اكتفى بذكر مقاولة يعقوب وبنيه ليعلم عدم حضورهم حين توصية إبراهيم عليه الصلاة والسلام بطريق الأولى، ولا يخفى أن هذا القائل لم يعتبر سبب النزول ولعله لما فيه من الضعف حتى قال الإمام السيوطي: لم أقف عليه، والشهداء جمع شهيد أو شاهد عنى حاضر، وحضر من باب قعد، وقرئ {حَضَرَ} بالكسر ومضارعه أيضًا يحضر بالضم وهي لغة شاذة، وقيل: إنها على التداخل.
{إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ} بدل من {إِذْ حَضَرَ} بدل اشتمال وكلاهما مقصودان كما هو المقرر في إبدال الجمل إلا أن في البدل زيادة بيان ليست في المبدل منه ولو تعلقت إذ هنا بـ {قَالُواْ} لم ينتظم الكلام.
{مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى} أيْ أيّ شيء تعبدونه بعد موتي فـ {مَا} في محل رفع والعائد محذوف وكونه في محل نصب على المفعولية مفوت للتقوى المناسب للمقام؛ ويسأل بها عن كل شيء فإذا عرف خص العقلاء بـ من إذا سئل عن تعينه فيجاب بما يفيده، وإذا سأل عن وصفه قيل ما زيد أكاتب أم شاعر، وفي السؤال عن حالهم بعد موته دليل على أن الغرض حثهم على ما كانوا عليه حال حياته من التوحيد والإسلام، وأخذ الميثاق منهم عليه فليس الاستفهام حقيقيًا وكان هذا بعد أن دخل عليه السلام مصر ورأى فيها من يعبد النار فخاف على ولده فحثهم على ما حثهم.
{قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} استئناف وقع جوابًا لسؤال نشأ عن حكاية السؤال وفي إضافة الإله إلى المتعدد إشارة إلى الاتفاق على وجوده وألوهيته وقدم إسمعيل في الذكر على إسحق لكونه أسَنّ منه وعده من آباء يعقوب مع أنه عمه تغليًا للأكثر على الأقل، أو لأنه شبه العم بالأب لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة فأطلق عليه لفظه، ويؤيده ما أخرجه الشيخان «عم الرجل صنو أبيه» وحينئذٍ يكون المراد بآبائك ما يطلق عليه اللفظ كيلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، والآية على حد ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من قوله عليه الصلاة والسلام: «احفظوني في العباس فإنه بقية آبائي» وقرأ الحسن {أبيك} وهو إما مفرد وإسمعيل وإسحق عطف نسق عليه وإبراهيم وحده عطف بيان، أو جمع وسقطت نونه للإضافة كما في قوله:
فلما تبين أصواتنا ** بكين وفديننا بالأبينا

{إلها واحدا} بدل من {إِلَهٍ آبَائِكَ} والنكرة تبدل من المعرفة بشرط أن توصف كما قوله تعالى: {بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة} [العلق: 15، 16] والبصريون لا يشترطون فيها ذلك، وفائدة الإبدال دفع توهم التعدد الناشئ من ذكر الإله مرتين، أو نصب على المدح أو الحال الموطئة كما في البحر {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي مذعنون مقرون بالعبودية، وقيل: خاضعون منقادون مستسلمون لنهيه وأمره قولا وعقدًا، وقيل: داخلون في الإسلام ثابتون عليه، والجملة حال من الفاعل، أو المفعول، أو منهما لوجود ضميريهما، أو اعتراضية محققة لمضمون ما سبق في آخر الكلام بلا كلام وقال أبو حيان: الأبلغ أن تكون معطوفة على {نَعْبُدُ} فيكونوا قد أجابوا بشيئين وهو من باب الجواب المربي عن السؤال.